الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

81

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما ( 1 ) فهو يعلم ما قدم المجرمون وما فعلوه في الدنيا ، وهو مطلع على كل أفعالهم وأقوالهم ونياتهم في الماضي وما سيلاقونه من الجزء في المستقبل ، إلا أنهم لا يحيطون بعلم الله . وبهذا فإن إحاطة علم الله سبحانه تشمل العلم بأعمال هؤلاء وبجزائهم ، وهذان الركنان في الحقيقة هما دعامة القضاء التام العادل ، وهو أن يكون القاضي عالما ومطلعا تماما على الحوادث التي وقعت ، وكذلك يعلم بحكمها وجزائها . في ذلك اليوم : وعنت الوجوه للحي القيوم . " العنت " من مادة العنوة ، وقد وردت بمعنى الخضوع والذلة ، ولذلك يقال للأسير : " عاني " ، لأنه خاضع وذليل في يد الآسر . وإذا رأينا الخضوع قد نسب إلى الوجوه هنا ، فلأن كل الإحساسات النفسية ، ومن جملتها الخضوع ، تظهر آثارها أولا على وجه الإنسان . واحتمل بعض المفسرين أن الوجوه هنا تعني الرؤساء والزعماء وأولياء الأمور الذين يقفون في ذلك اليوم أذلاء خاضعين لله . إلا أن التفسير الأول أقرب وأنسب . إن انتخاب صفتي " الحي والقيوم " هنا من بين صفات الله سبحانه ، لأنهما يناسبان النشور أو الحياة وقيام الناس جميعا من قبورهم " يوم القيامة " . وتختتم الآية بالقول : وقد خاب من حمل ظلما فالظلم والجور كالحمل العظيم الذي يثقل كاهل الإنسان ، ويمنعه من السير والرقي إلى نعم الله الخالدة ، وإن الظالمين - سواء منهم من ظلم نفسه أو ظلم الآخرين - لما يرون بأعينهم في ذلك اليوم خفيفي الأحمال يهرعون إلى الجنة ، وهم قد جثوا حول جهنم ينظرون

--> 1 - احتمل بعض المفسرين أن ضمائر الجمع في الجملة الأولى تعود إلى الشافعين . واحتمل البعض أيضا أن الضمير في ( به ) يعود إلى أعمال المجرمين ونتائجها ، ولكن ما ذكرناه أعلاه هو الأصح كما يبدو . دققوا ذلك .